قال موقع "جيسكا" إن قضية أرض الصومال تندرج ضمن مجموعة أوسع من القضايا التي ما زالت تشكل تحديات أمام السياسة الخارجية المصرية في السنوات الأخيرة. فهي تُمثل محور جهود القاهرة لتعويض الوقت الضائع الذي أسفر عن خسائر متراكمة ورفع تكلفة استعادة زمام المبادرة. 

 

وأشار إلى أن هذا يتضح جليًا عند النظر إلى صمت مصر المطول إزاء ما يمكن وصفه بتجاوز من جانب دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة في العديد من هذه القضايا، بما فيها أرض الصومال، فضلاً عن السودان وليبيا.

 

وأضاف أن تحرك مصر الأخير في أعقاب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة يتعارض بشكل واضح مع السياسات الإقليمية لحليفتها الإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن المواجهة التقليدية والمتوقعة مع جهات إقليمية أخرى كإسرائيل وإثيوبيا. 

 

ولفت إلى أن هذا الوضع يرتبط بشكل أو بآخر، بموقف السعودية الإقليمي الحازم، مما يزيد من تعقيد أي تقييم لنهج مصر تجاه ما تسميه "أزمة أرض الصومال". وتتفاقم هذه التعقيدات بسبب الارتباك الواضح في أوساط البحث والسياسة المصرية، التي تميل إلى الاعتماد على روايات تاريخية قد لا تكون كافية لتفسير الوضع الراهن. 

 

تجاهل دور الإمارات 

 

وبحسب التقرير، فإن هذا النهج يتجنب في كثير من الأحيان تسمية الجهات الفاعلة التي عززت بنشاط مسار انفصال أرض الصومال على أرض الواقع، وعلى رأسها الإمارات، مختزلاً الأزمة، من وجهة نظر مصرية، إلى مسألة توغل إسرائيلي في القرن الأفريقي.

 

وأُثيرت هذه القضية في مصر عبر العديد من المنصات الأكاديمية والإعلامية، بما في ذلك المناقشات التي جرت خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي اختُتم في الثالث من فبراير. وتناول الموضوع عدد من المتخصصين المصريين في الشؤون الأفريقية، أبرزهم حمدي عبدالرحمن، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة وجامعة زايد، والأستاذ الزائر السابق في جامعة هرجيسا. 

 

وأوضح عبد الرحمن ما اعتبره السمات الرئيسة للأزمة، واضعًا إياها في سياق أوسع من التشرذم وإعادة التشكيل المستمر الذي يؤثر على القرن الأفريقي، وبالتالي على الشرق الأوسط. 

 

وأشار إلى أن هذه العملية تتكشف في خضم تآكل النظام الدولي الذي أُرسِيَ بموجب معاهدة وستفاليا عام 1648، والتي أرست أسس المفهوم الحديث للدولة وحدودها.

 

ولفت عبد الرحمن إلى التهديدات الاستراتيجية المحيطة بمصر، بما في ذلك تهديد من الشمال الشرقي يهدد النظام السياسي، وآخر من الجنوب يؤثر على بنية المجتمع المصري نفسه من خلال قضية مياه النيل. 

 

وأوضح أن هذه التهديدات تُشكّل ضمنيًا نهج مصر تجاه أرض الصومال استنادًا إلى تجربتها التاريخية. وذكر أن أول شهيد للدبلوماسية المصرية كان محمد كمال الدين صلاح ، الذي قُتل في الصومال في أبريل 1957، مضيفًا أن قاتله كان قد درس في جامعة الأزهر الإسلامية بالقاهرة. ويرى أن هذه الحادثة تعكس عمق الروابط التاريخية والدينية بين البلدين.

 

جذور الأزمة الصومالية

 

وأرجع الخبير في الشؤون الإفريقية جذور الأزمة الصومالية إلى فترة الاستقلال، موضحًا أنه على الرغم من أن الاستقلال كان طموحًا مشتركًا بين جميع الصوماليين، تحقق من خلال اتحاد الشمال والجنوب، إلا أن هذا الاتحاد نفسه كان يعاني من عيوب جوهرية. وأشار إلى أن السلطة والثروة كانتا تتركزان بشكل غير متناسب في الجنوب. 

 

واستذكر أن أول محاولة انقلاب، بقيادة شباب الشمال، وقعت عام 1961 نتيجة للاتحاد الذي شُكّل على عجل على أسس واهية. وقد أدى صياغة الدستور دون استشارة الشماليين وإلغاء الاستفتاء إلى تفاقم التوترات، التي بلغت ذروتها في نهاية المطاف باغتيال الرئيس عام 1967، تاركةً جرحًا غائرًا في العلاقات بين الجانبين.

 

ويمكن فهم هذا المنظور كمحاولة لتفسير الجذور العميقة لأزمة بناء الدولة في الصومال. ربط عبد الرحمن هذه الأزمة بالمبدأ الأساسي للنظام الأفريقي المتمثل في حرمة الحدود، مما يجعل الاعتراف بالكيانات الانفصالية قضية بالغة الحساسية في القارة. 

 

وفي الوقت نفسه، شدد على الأهمية الاستراتيجية لصوماليلاند، نظرًا لموقعها على خليج عدن ومدخلها إلى البحر الأحمر، وهو موقع حظي باهتمام إقليمي ودولي متزايد.

 

ولا يزال إرث الصومال في عهد سياد بري حاضرًا بقوة في الذاكرة السياسية المصرية، كما يقول التقرير، فقد كان منخرطًا بعمق في سياسات القومية العربية خلال مرحلتها الأخيرة، قبيل غزو العراق للكويت في أغسطس 1990. ولا يزال رفضه المتكرر للانضمام إلى مجلس التعاون العربي، الذي ضم مصر والعراق والأردن وشمال اليمن، أمرًا بارزًا.

 

واستذكر محللون من أرض الصومال محاولة بري إقناع الرئيس العراقي صدام حسين، خلال قمة بغداد الاستثنائية في مايو 1990، بحشد موقف عربي موحد ضد الحركة الوطنية الصومالية، التي وصفها بالمنظمة الإرهابية. واتهمها بالتعاون مع إثيوبيا وإسرائيل والسعي إلى تقسيم البلاد. 

 

كما أشار هؤلاء المحللون إلى تزويد مصر ودول الخليج بري بأسلحة بمئات الملايين من الدولارات، "استُخدمت لاحقًا في الفظائع المرتكبة ضد شعب الإسحاق".

 

انهيار نظام بري واندلاع الحرب الأهلية في الصومال

 

إلا أن التحولات العالمية التي أعقبت غزو العراق للكويت هيأت الظروف لانهيار نظام بري واندلاع الحرب الأهلية في الصومال. وخلال هذه الفترة، تمكنت أرض الصومال من الحفاظ على مسار ديمقراطي وقدر من الاستقرار النسبي. ومع تدهور الوضع في الصومال، تراجعت تدريجيًا خارج نطاق اهتمام مصر الاستراتيجي. واستمر هذا الانسحاب حتى صدور تصريح هام من الرئيس الأسبق حسني مبارك في أوائل عام 2007، حين أعرب عن "تفهمه" للتدخل العسكري الإثيوبي في الصومال، وهو ما يُعد قبولاً ضمنيًا للتدخل المدعوم من الولايات المتحدة.

 

وفي السنوات التي أعقبت ما وصفه كثيرون بـ"الغزو الإثيوبي" للصومال، قال الموقع إن مصر لم تُعِر قضية أرض الصومال اهتمامًا جديًا. وشهدت هذه الفترة أيضًا عمليات عسكرية كينية مماثلة في جنوب الصومال عام 2013. وقد أجبر الاعتراف الإسرائيلي الأخير بأرض الصومال، وتغير موقف السعودية في جنوب البحر الأحمر، وإدراك القاهرة للتهديدات المباشرة التي يشكلها تحالف قوى إقليمية متنوعة لدعم استقلال أرض الصومال، مصر على تغيير جذري في موقفها. وتتزامن هذه التطورات مع جهود مصر الأوسع لاستعادة نفوذها في مختلف مجالات الأمن القومي.

 

لكن ما يبرز في هذا الانخراط المتجدد من جانب مصر، ولا سيما من خلال تعاون عسكري وأمني غير مسبوق مع مقديشو، هو عودة خطاب يؤكد دور مصر كـ"شريك أكبر" والثقل التاريخي لتدخلها في الصومال. ويستمر هذا الإطار رغم التغيرات الإقليمية العميقة، ويشير إلى مشهد سياسي شديد التعقيد في الصومال، وهو مشهد يتجلى بشكل متزايد في قضية أرض الصومال المتطورة.

 

فشل الدولة الصومالية

 

ويرى بعض المراقبين أن فشل الدولة الصومالية على مدى العقود الأخيرة ينبع من غياب مشروع وطني موحد، وتفضيل المصالح الفردية على المصالح الجماعية، والإرث الطويل للأزمات الموروثة من نهاية عهد سياد بري قبل أكثر من أربعة عقود. من هذا المنظور، يُنظر إلى أرض الصومال على أنها بلا مستقبل كدولة مستقلة، ويُعتبر اعتراف إسرائيل بها مجرد ضجيج بلا جدوى. 

 

وتعزز هذه الادعاءات الانطباع بوجود خطاب غير واقعي أو تكتيكي يتجنب مواجهة التحالف الإماراتي الإسرائيلي الحالي، ويفشل في معالجة أزمات الصومال أو مكانتها في القرن الأفريقي بشكل كافٍ.

 

وأصبح من الصعب تجاهل هذا السياق بشكل متزايد، لا سيما مع سعي إثيوبيا إلى إعادة تأكيد دورها القيادي في العمل الجماعي الإقليمي، وإحياء التعاون الاقتصادي مع جيبوتي والصومال، كما تجلى ذلك خلال قمة استضافتها أديس أبابا في أوائل فبراير.

 

وبالنسبة لمصر، رأى التقرير أن قضية أرض الصومال تمثل بلا شك مصدر قلق ملحّ يرتبط بمصالحها وبيئتها الأمنية المباشرة على البحر الأحمر. ومع ذلك، يثير النهج السائد تساؤلات حول عمق وجدية هذا القلق، وارتباطه بالتحولات الإقليمية الأوسع، بما في ذلك التصعيد السعودي والتوسع الإسرائيلي دعماً للسياسات الإماراتية. وتتداخل هذه الديناميكيات مع ضرورة إقامة علاقات ثنائية متوازنة، مما يزيد الأمر تعقيدًا.

 

تطلعات الانفصال عن الصومال

 

وسلّط البروفيسور عبد الرحمن الضوء على بُعدٍ محوريٍّ في أزمة الصومال، ألا وهو أن فكرة الاستقلال لا تقتصر على أرض الصومال وحدها، بل امتدت إلى مناطق أخرى مثل بونتلاند. وقد قوبلت هذه التطلعات برفضٍ واسع النطاق بسبب المخاوف من تفكك الدولة بشكلٍ كامل.

 

وربط كذلك إدراك إسرائيل لمواطن الضعف في جنوب البحر الأحمر بجهودها لتعزيز نفوذها من الجنوب عبر أرض الصومال، مما يضمن لها موطئ قدم استراتيجي في الممر المائي. 

 

وحدد ثلاث محطات رئيسة في مسيرة الاعتراف بأرض الصومال، من بينها مذكرة التفاهم التي وقعها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مع أرض الصومال في يناير 2024، إلى جانب الجهود المبذولة لتشكيل قوات عسكرية في المنطقة. 

 

كما أشار إلى اهتمام أمريكي غير مباشر، إذ وصفت بعض مراكز الأبحاث المنطقة بأنها موقع مثالي للحماية والتمركز في ظل سيناريوهات تتضمن صراعًا أمريكيًا إيرانيًا، وتنافسًا مع الصين، وخططًا أوسع لإعادة تشكيل المنطقة.

 

وعلى الرغم من أن هذا الإطار يبدو سليمًا إلى حد كبير، إلا أن التفاصيل تشير إلى واقع أكثر تعقيدًا، بحسب الموقع. فالنشاط الإسرائيلي في جنوب البحر الأحمر يسبق الاعتراف بأرض الصومالد بسنوات عدة. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل كانت متورطة بالفعل خلال الحرب التي قادها التحالف الذي تصدرته السعودية في اليمن، حيث قدمت الدعم الاستخباراتي بذريعة حماية مصالحها في البحر الأحمر ومكافحة الإرهاب.

 

وعلى الرغم من أن علاقات أرض الصومال مع إسرائيل توفر نقطة دخول جذابة للمصالح الإسرائيلية، لا سيما بالنظر إلى حماس حكومة أرض الصومال لمثل هذا التعاون، إلا أن تحركات إسرائيل تظل محسوبة بعناية ومتسقة مع استراتيجيتها الإقليمية طويلة الأمد وتجربتها التاريخية في القرن الأفريقي وفي تنافسها مع مصر.

 

النفوذ الإسرائيلي والدعم الإماراتي 

 

وأشار المراقبون أيضًا إلى عامل حاسم غالبًا ما يُغفل في التحليلات المصرية: وهو أن النفوذ الإسرائيلي عادةً ما يكون مصحوبًا بدعم مالي خارجي. وفي هذه الحالة، يتركز هذا الدعم على الإمارات العربية المتحدة، التي يصعب تعويض استثماراتها الضخمة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي في المستقبل المنظور.

 

وحاول بعض المعلقين في القاهرة التقليل من شأن المخاوف بشأن علاقة إسرائيل مع أرض الصومال، بحجة أنها لا تستطيع تغيير القرن الأفريقي أو الشرق الأوسط جذرياً، وأنها لن تكون سوى ضجيج مؤقت. تتجاهل هذه الحجج الدروس المستفادة من التحولات الأخيرة في سوريا والقضية الفلسطينية. كما أنها تقلل من شأن قدرة إثيوبيا على استغلال التناقضات الإقليمية بمهارة في ظل الدعم الأمريكي المستمر، بغض النظر عن القيادة السياسية في واشنطن أو أديس أبابا.

 

وبحسب أحد الآراء المصرية، فإن قضية أرض الصومال من بين أكثر القضايا تعقيداً في القرن الأفريقي، إذ تقع عند تقاطع الهوية الوطنية، وإرث الاستعمار، ومبدأ وحدة الدولة، في تناقض مع حق تقرير المصير. ورغم تمسك أرض الصومال بإعلان انفصالها منذ عام 1991، لا تزال المخاوف قائمة من أن يؤدي الاعتراف الدولي بها إلى موجة جديدة من التفكك في أفريقيا.

 

وقال البروفيسور عبد الرحمن، إن هذه القضية تؤثر بشكل مباشر على استقرار الصومال، إذ تُعمّق الانقسامات السياسية، وتُضعف المؤسسات المركزية، وتُهيئ أرضية خصبة للتدخل الخارجي. كما أنها تُهدد بإطالة أمد الصراع وعرقلة إعادة بناء الدولة في وقتٍ يحتاج فيه الصومال بشدة إلى التماسك الداخلي لمواجهة تحدياته الأمنية والاقتصادية.

 

وبغض النظر عن هذه النقاشات وتعزيز المواقف الراسخة، يبدو من الضروري أكثر فأكثر أن تُطوّر مصر قراءة جديدة للوضع الراهن وحساباته المتغيرة. ويتطلب هذا التقييم الجديد أخذ وجهات النظر الصومالية على محمل الجد، ومراعاة الديناميات الإقليمية، والتفاعل مع واقع بناء الدولة، متجاوزًا افتراضات الوصاية أو الصواب المطلق.

https://www.geeska.com/en/why-somaliland-remains-diplomatic-dilemma-egypt